|
الاتجاهات نحو الأطفال المعاقين عبر التاريخ |
|
إعداد :ـ الأستاذة عواطف علي الشتيوي،مركز تأهيل وإعادة تأهيل المعاقين جنزور |
|
لم يكن الأطفال المعاقون بأوفر حظا من الأطفال العاديين في أوجه الرعاية والعناية والاهتمام بل بالعكس فأن النظرة للأطفال المعاقين منذ أقدم العصور اتسمت بطابع غير أنساني واختلفت هذه النظرة من عصر لآخر تبعا لمجموعة من المعايير والمتغيرات ، وإن الاهتمامات الحديثة بالإعاقة والمعاقين ، وضرورة تقديم الرعاية اللازمة لهذه الفئة بشكل تكاثفي من جميع أفراد المجتمع ومؤسساته ، كذلك أهمية دمجها في المجتمع ليس وليد المصادفة البحتة أو بدافع الإنسانية فقط ،بقدر ماكان إعادة لتصحيح مجموعة من الأخطاء ارتكبتها المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ والتي كان ضحيتها دائماً وأبداً المعاقين، حيث إن تلك النظرة السلبية عرقلت مسيرة النمو الطبيعية للمجتمع ردحا من الزمن ،ويشير العديد من الباحثين إلى أن أغلب المصادر التاريخية تشير إلى معاناة المعاقين في جميع العصور الماضية من النظرة المتدنية نحوهم، وذلك من جراء القواعد والقوانين الظالمة التي جعلت منهم هدفا للتعبير عن الدوافع والنزعات العدوانية في المجتمع نتيجة للخوف والجهل من جهة ، ونقصان المعلومات من جهة أخرى ،فهذا رمضان القذافي يذكر إنه كانت مواجهة الإنسان للكثير من الأمور منذ القدم تعلل عن طريق بعض الإسقاطات والتبريرات غير العلمية عن الطبيعة والزمن ،فكان يُنظر إلى المعاقين على أساس أنهم فئة شاذة ، وذلك وفقا لقاعدة (البقاء للأصلح) حيث كانوا يتركون للموت تحت وطأة الظروف المناخية القاسية بسبب عدم قدرتهم على حماية أنفسهم ، ويضيف قائلا إذا ماعدنا إلى الوقت الذي عرف فيه الإنسان القديم التنقل والترحال في جماعات بحثا عن الطعام ،نجد أن معظم المعاقين بحكم إعاقتهم كانوا غير قادرين على المساهمة في نشاطات جمع الثمار وعمليات الصيد والرعي أو الدفاع عن أنفسهم أو أفراد مجموعتهم ،وبالتالي لم يسلموا من الأذى النفسي والمادي من أقاربهم ومعارفهم وأعدائهم ،وحتى بعد أن ظهرت بعض الاتجاهات المنادية باعتبار المعاقين فئةً تحتاج إلى العلاج، وكان ذلك في العصور التاريخية الأولى ،فقد كان التشخيص يعتمد على تعريفات ترد في شكل أوصاف منفرة تتعلق بتقمص الجن لبعض الأجساد أوحلول لعنة الآلهة على من وقع عليهم الغضب والتي أدت إلى نكبة المعاقين ،أكثر مما عملت على توفير العناية لهم ، وهذه الأفكار التشاؤمية ساعدت في إلقاء الضرر على المعاقين ، وجاءت حجة التخلص منهم تحت ستار فك السحر ومحاربة السحرة، وطرد الأرواح الشريرة (القذافي ،15،1988 ) وكذلك يوضح مدحت أبو النصر نظرة بعض الحضارات الإنسانية المتمثلة في عصور الفراعنة والحضارة الإغريقية القديمة وما ظهر بين الحضارتين من حضارات أخرى في الهند والصين حيث يقول: بدأت أول مظاهر رعاية المعاقين عند القدماء المصريين حيث أكدوا على أهمية العناية بالفرد وأسرته في حالات المرض والعجز كأسلوب يدعم المجتمع ،وعُرف علم الأعشاب لعلاج المرضى وأصحاب العاهات ،وكان الكهنة يصلون لشفاء هولاء العجزة ،كما أدت الفلسفة الأخلاقية التي ظهرت في كل من الهند والصين متمثلة في قانون( مانو) وفي الصين في تعاليم (كونفشيوس)إلى اعتناق مفاهيم الفضيلة والأخلاق والسلام كطرق تؤدي إلى المعرفة ومن تم الرحمة بالضعفاء والعناية بالمرضى والمعاقين كأحد مظاهر تلك الفضيلة( أبو النصر 151:152،2004)ولكن رغم أهمية الحضارة الإغريقية القديمة وما قدمته للمعرفة الإنسانية ،من معارف وعلوم إلا إن الطابع العقلي والطبقي والمثالي الذي ساد فلسفاتهم لم يقدم عطاءا يذكر لرعاية ذوي العاهات والعناية بالعجزة ،"فنظرة أثينا إلى الإعاقة كانت نظرة ازدراء واحتقار ، ويشير يحي أفنيخر إلى آراء بعض فلاسفة الحضارة الإغريقية في المعاقين والإعاقة فقد كان سقراط يرى "بأن قيمة كل شئ تقدر بصلاحيته لأداء وظيفته على الشكل الأكمل" ويرى أفلاطون "بأن المعاقين ضرر بالدولة ووجودهم يعيق قيام الدولة بوظيفتها والسماح لهم بالتناسل يؤدي إلى إضعاف الدولة "، كان يخص المعاقين عقليا ، كما رفع أفلاطون شعار " العقل السليم في الجسم السليم" ، وكان يريد لجمهوريته أن تقوم على أرستقراطية العقل وصحة الجسم ،ولذلك فقد دعا إلى نفيهم خارج الدولة وعدم السماح لهم بدخولها حيث لا يبقى في الدولة سوى الأذكياء والقادرين على الإنتاج أو الدفاع أو الحكم ,أما في(إسبرطة) فلم يكن يصلح بين أبنائها الضعيف أو المريض أو ذو العاهة والقانون ينص على التخلص من الأطفال المعاقين عن طريق تعريضهم للبرد القارص أو إلقائهم في نهر ((أورتاس)) حتى يموتوا غرقا ،أما في الحضارة الرومانية فلم يكن المعاق بأحسن حالا فقد كان الأب يُعرض عن الابن المصاب بالتشوه أو العجز فيلقي به في الطريق ليصبح من الرقيق أو المهرجين ،(أفنيخر ،5:1999) ،ويعود أبو النصر ويوضح لنا موقف البلاد العربية قبل الأديان السماوية عندما كانت تسود الوثنية حيث عَبِدَت النجوم والكواكب والشمس والنار، وسادت نزعات التقاتل والصراع الطبقي على الزعامة والسقاية والتجارة في عصور الجاهلية حيث كانت من حولهم بيئة جدباء فقيرة خالية من موارد الحياة لتسود فلسفة القوة ونبذ الضعيف استجابة لمتطلبات الصراع القبلي ،ويُذكر أن عرب الجاهلية عرفوا التفاخر بين القبائل بخلوها من أصحاب العاهات والعناصر الضعيفة تجسيدا لمنطق القوة الذي ساد مناخ هذه الحقبة، إلا أنه في الركن الجنوبي من الجزيرة ظهرت حضارة سبأ في اليمن السعيد ،و التي كانت على علم واسع بالهندسة والري وبناء السدود وقدمت هذه الحضارة بعض أشكال الرعاية للمعاقين والعناية بهم ، بينما سادت الهند صراعات البراهمة والبوذية والنظام الطبقي المغلق والدعوة للاستسلام للعجز بدعوى التسليم بالألم والعجز كتعبير عن الأخلاق الفاضلة ومن تم عرفت الهند باحتفالات تعذيب الجسد من الآثام "(سابق ،153)وجاءت الديانات السماوية بما تحمله من تعاليم المحبة والسلام ونادت بالاهتمام برعاية المعاقين عن طريق مساعدتهم ماديا دون جهد في مساعدتهم على استرداد مكانتهم في المجتمع مثل الديانة المسيحية ، وعن المجتمع الإسلامي يبين القذافي تميزه عن غيره من المجتمعات بالكثير من المبادئ السامية ، حيث نادى بعدم التفرقة بين البشر والمساواة بينهم كما أكد على وجوب النظر إلى الإنسان على أساس عمله وليس بجنسه أوعرقه أو كيفية تركيبه الجسمي ، عند الله ،ويذكرأن القرآن الكريم أشار إلى هذا المعنى في أكثر من موضع،فقد وجاء في سورة عبس عتاب للرسول صلى الله عليه وسلم عند إعراضه عن الأعمى عمرو بن أم مكتوم وانشغاله بهداية صناديد قريش حيث قال الله في كتابه العزيز :((عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى )) ( عبس من 1-9 )،كذلك أكد الإسلام على مسئولية الإنسان على سلوكه وتصرفه دون تفرقة بين معاق أو غير معاق إلا في الحدود التي تفرضها الإعاقة نفسها ،((لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً)) (الفتح 17 ) ، ويضيف أن الإسلام لم يكف عن كف الأذى المادي عن المسلم دون تفرقة بين معاق وسوي وإنما شمل طلب كف الأذى المعنوي المتمثل في النظرة والكلمة والإشارة وغيرها من وسائل التحقيروالأستهزاء والتصغير بقوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) ( الحجرات11 ) ، وجاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (بحسب كل أمري أن يحقر أخاه المسلم ) رواه مسلم "(القدافي ،17:18،1988) ، ويكمل رشاد موسى اهتمام وحرص السلف الصالح في عهد الخلفاء الراشدين على إتباع نهج الرسول فقاموا برعاية الفقراء والمحتاجين والمعاقين ،ويقول إن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعتبر أول من سن شريعة اجتماعية لحماية المستضعفين ،حيث أنشأ ديوانا للأطفال المستضعفين بحت كامل تنزيل من هناdoc إعداد :ـ الأستاذة عواطف علي الشتيوي،مركز تأهيل وإعادة تأهيل المعاقين جنزور
|
| الرئيسيه |
|
جميع الحقوق محفوظة ©www.paralympic.ly 2009 |